الحكومة الموريتانية بين الإرادة وتحديات الإدارة

سبت, 14/02/2026 - 11:06

 

منذ تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم في موريتانيا، بدا جليا أن لديه إرادة التغيير البناء الذي يريده الشعب ويتطلبه الواقع وتفرضه رهانات السياسة الدولية والإقليمية والمحلية، على الأقل من خلال الخطاب الرسمي القائم على التأكيد المستمر على إرادة الإصلاح الشامل، وبناء دولة المؤسسات، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة قادرة على إخراج البلاد من دوائر الهشاشة، وقد رافق هذا التوجه حضور قوي للمسؤولين الحكوميين في مختلف المنابر الرسمية والإعلامية، حيث تكررت عبارات الالتزام بالإصلاح، ومحاربة الفساد، وتطوير الإدارة، وتحسين ظروف عيش المواطنين، في صورة خطابية تعكس طموحا سياسيا واضحا للتغيير وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

هذا الخطاب الإصلاحي شكل تعبيرا رسميا عن رؤية سياسية شاملة عبر عنها رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة، في وادن وجول وفي مناسبات ذكرى الاستقلال ... تقوم هذه الرؤية على الانفتاح السياسي، محاربة الفساد، تعزيز دولة القانون، العدالة الاجتماعية، والاقتصاد المنتج. ففي المجال السياسي، تم التأكيد على ترسيخ الاستقرار من خلال تعزيز الحوار واحترام المؤسسات وبناء الثقة بين السلطة والمجتمع، وبالفعل حصل انفتاح على الطيف السياسي بجميع ألوانه، وتكررت اللقاءات بين الرئيس والقادة السياسيين وأضحى التشاور والحوار عنوانين بارزين لتسيير الملف السياسي على المستوى الوطني، وتكرر التعبير عن احترام فصل السلطات، وصدرت التوجيهات بتقريب الخدمة من المواطن، ودعم الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتثمين الثروات الطبيعية، أما في المجال الاجتماعي، فقد احتلت قضايا الشباب، الفقر، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والحماية الاجتماعية موقع الصدارة في الخطاب الرسمي، باعتبارها أولويات وطنية لا تقبل التأجيل ولا المساومة.

غير أن المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين الإرادة المعلنة والنتائج الملموسة، ما تزال تمثل إحدى الإشكاليات الكبرى في المشهد العام، فالتأكيد الحكومي المتكرر والمدعوم بالأرقام أحيانا على تحقيق إنجازات مهمة في عدة مجالات لا يقابله دائماً إحساس شعبي مماثل بحجم هذه الإنجازات، وفي هذا السياق تتشكل فجوة واضحة بين لغة التصريحات الرسمية وتجربة المواطن اليومية، حيث لا تزال البيروقراطية الإدارية، وتعقيد الإجراءات، وضعف الأداء المؤسسي، والمصالح الشخصية والحسابات الضيقة، تشكل عوائق حقيقية أمام استفادة المواطن من خيرات وطنه.

اجتماعياً، ما تزال معاناة الفئات الهشة قائمة، سواء في ضعف الخدمات الصحية، أو هشاشة التعليم العمومي، أو محدودية فرص التشغيل، خاصة في صفوف الشباب، واقتصادياً، ورغم الحديث عن تحسن بعض المؤشرات الكلية، فإن أثر ذلك على القدرة الشرائية للمواطن يبقى محدوداً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الدخل، واتساع الفوارق الاجتماعية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى بين خطاب الإنجاز وواقع المعاناة، وبين لغة الأرقام الرسمية وواقع الحياة اليومية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن فترة حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شهدت إنجازات فعلية في عدد من المجالات، من بينها الأمن وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتعزيز شبكات الدعم للفئات الهشة، وإطلاق مشاريع هامة في مجالات الزراعة والطاقة والمياه والطرق، وتطوير بعض البنى التحتية الأساسية، إضافة إلى تحسين صورة البلاد خارجياً وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية. وهي إنجازات تعكس وجود جهد حكومي حقيقي ورغبة في التغيير، لكن المراقب الخارجي لا يكاد يلمس أثرا بنيويا عميقا لهذه السياسات في حياة المواطن اليومية.

في المقابل، ما يزال جزء معتبر من التعهدات الواردة في البرنامج الانتخابي للرئيس في طور الانتظار، خاصة ما يتعلق بالإصلاح العميق للإدارة العمومية، والعدالة الاجتماعية الشاملة، وتحسين جودة التعليم، وإصلاح المنظومة الصحية، وخلق فرص عمل واسعة ومستدامة للشباب. ويتطلع المواطن الموريتاني اليوم إلى ما هو أبعد من المشاريع الظرفية والبرامج الجزئية؛ يتطلع إلى تحول بنيوي حقيقي يمس جوهر الدولة وأسلوب إدارتها، ويُحدث نقلة نوعية في علاقة المواطن بالإدارة، وفي مستوى الخدمات العمومية، وفي العدالة في توزيع الثروة والفرص.

وهكذا، تقف الحكومة الموريتانية اليوم بين طموح الإرادة وتحديات الإدارة: إرادة سياسية معلنة، وخطاب إصلاحي طموح، ورؤية نظرية واضحة، يقابلها واقع إداري معقد، وبنية مؤسسية مثقلة بالإرث الثقيل لتراكم الفساد، وصعوبات تنفيذية تحد من سرعة التحول وعمقه، وبين هذين المستويين تتحدد معركة الإصلاح الحقيقية، لا بوصفها معركة خطاب، بل بوصفها معركة دولة ومؤسسات.

إن نجاح المشروع الإصلاحي لا يقاس بجمال العبارات ولا بكثرة التصريحات، بل بقدرة الدولة على تحويل الإرادة السياسية إلى سياسات عمومية فعالة، وإلى إدارة تخدم المواطن ولا تستخدمه، وإلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في مأكله، ومشربه، وسكنه، وصحته، وتعليمه، ودخله، وكرامته. وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء دولة تُدار بعقلية المؤسسات، وتُحكم بمنطق الخدمة العامة لا بمنطق المصاح الشخصية والزبونية والمحسوبية، وتُقاس فيها مصداقية الإنجاز بميزان الواقع لا ببلاغة الخطاب.

عالي ولد أعليوت