
حين أقرر أن أكتب مذكّراتي يوماً، سأسجل دون مواربة، ما عشته في بلدي موريتانيا، حين سدّت أبواب العدالة في وجهي وعلت وجوه القضاة ظلالُ الحيرة و الارتياب، وقد تنازعت في دواخلهم دوافع الطوى و عوامل وخز الضمير.
سأكتب عن القضاء في بلادي كما عشته، لا كما تصوره الدساتير وكتب القانون.
سأتحدث عن تسعة أشهر قضيتها في جحيم دار النعيم، حكم عليّ فيها قاضٍ بستة أشهر، ليسرّ لكاتب ضبطه، أنه لم يكن حراً في اجتهاده، ولا مستقلاً في رأيه؛ فقد مُنع من الحكم بأقل، وأُرهِب إن لم يحكم بأكثر.
سأروي كيف أيد قاضي الاستئناف ذلك الحكم، ثم حدثني بنفسه لاحقًا أنه رفض ضغوطًا لتشديد العقوبة، ممتنعاً من أن “يحكم عليّ بأكثر مما حكم به ابن عم الرئيس السابق”…
سأكتب عن عدالة تحكمها الألقاب و الأنساب و العلاقات الشخصية ، لا الأدلة ولا مقتضيات النصوص.
سأكتب عن شهر من الحكم التعسفي، و عامين رماني بها في قعر معتمة قاضٍ له وجه كوجه القهر و الموت، عبوس مكفهر كالسحاب الأسود، تحمل ملامحه كل معاني القسوة و الضغينة..
سأتناول تلك الشكوى التي تقدّمت بها ضد من قذفني وشهّر بي وفبرك ضدي من الأدلة ما يعجز عنه خيال جورج ويلز، غير أن وكيل الجمهورية حينها، وكنت أعتبره صديقاً، شمّر عن ساعده لحماية المتهم بتوصية من جنرال نافذ. ليصدر بعد ذلك قاض عادل، من الذين لايخافون في دينهم لومة جنرال، حكماً بحق متهم، أوعزوا له بالفرار، ريثما يرتبون له مخرج سوء..
.. جأر بها ابن الجنرال في تدوينة: “لن يُسجن… نحن عليها”، و قدع بذلك فعلا أنف العدالة.. حيث استصدروا حكماً لا سابقة له: بإلغاء تنفيذ حكم القبض على مجرم!
ثم رُفع الملف إلى المحكمة العليا، و أوصى أحد قضاتها كان في عطلته، بعدم تحريك الملف حتى يعود. وحين عاد القاضي، ألقى به في درج مكتبه، لينام فيه نومة أهل الكهف، بينما تم الحسم في ملفات لاحقة … أما هذا الملف، فظل محفوفاً بعناية “جنرال” و”وزير” و”أمين عام”، و مجتمع قبلي وجهوي..
الجنرال يظن أن المعتدي تقصّدني حميّة له، والحقيقة أن دوافعه كانت شخصية جدًا، ولولا احترامي لأحد أطرافها لكشفت عنه..
و لايزال المتهم يهاجمني دون رادع ولا زاجر، في دولة تغط عدالتها في سبات عميق..
.. سأكتب عن ذاك الاعتداء الجبان الذي تعرضت له على حين غرة واستغفال، من مدلل، ضالع في صفقة فساد، مارست وظيفتي في الكشف عنها للرأي العام…
محاولة قتل مكتملة الأركان، كُيّفت بقدرة غادر على أنها “ضرب وجرح متعمد”.. وبعد أيام قليلة في السجن، خرج المعتدي بحرية مؤقتة، رغم تهديده لي علناً على باب قاضي التحقيق…
إذن، يمكن لكل من له أبناء عمومة في المراتب العليا: قاضٍ ووزير عدل.. أن يزهق روح من لم يعجبه شكل أذنيه.. ثم يستقبله بعدها أعراب متخلفون بالزغاريد و الطبول و كأنه البطل الخيالي ماد ماكس..
سأكتب عن كل ذلك، إن نسأ الله لي في العمر، وسأذكر الأسماء، والأوصاف، والتفاصيل.. فربما ينصفني التاريخ يعد أن ظلمني وظلمكم الحاضر. .
ستكون مذاكراتي انتصاراً لظلم حملة الصفائح لأرباب الصفائح.. مرافعة ضد الظلم و الاستقواء بالعشيرة..
ستكون نقشاً في صخور الأيام يخلّد أسماء من حثوا يوماً من ظلماء الظلم في عيون النهار..
….